Hadis ke-40: Dunia Adalah Sarana dan Ladang untuk Akhirat
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص: 132)
الدنيا وسيلة ومزرعة للآخرة
40 - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي (فوق الصدر) فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل (مسافر)" وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. رواه البخاري.
•---------------------------------•
قال الإمام أبو الحسن علي بن خلف في شرح البخاري: قال أبو الزناد: معنى هذا الحديث الحض على قلة المخالطة (معاملة الناس) وقلة الاقتناء (النَيْل أو الوِجْدَان أو المِلْك) والزهد في الدنيا. قال أبو الحسن: بيان ذلك أن الغريب قليل الانبساط (انتشار) إلى الناس مستوحش (تارك) منهم إذ لا يكاد يمر بمن يعرفه ويأنس (يحب) به ويستكثر من مخالطته فهو ذليل (خاضع أو متواضع) خائف، وكذلك عابر السبيل لا ينفّذ (يعمل) في سفره إلا بقوته (طعام أساسي) عليه، وخفته (ترك) من الأثقال (التكليف) غير متشبث (مهم أو ثابت) بما يمنعه من قطع سفره، ليس معه إلا زاد وراحلة (مركوب) يبلغانه إلى بغيته (غاية) من قصده، وهذا يدل على إيثار الزهد في الدنيا، ليأخذ البلغة (مواصلة) منها والكفاف (الرزق على قدر حاحته)، كما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، كذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه.
وقال العز علاء الدين بن يحيى بن هبيرة رحمه الله: في هذا
===
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص: 133)
الحديث ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حض على التشبه بالغريب لأن الغريب إذا دخل بلْدة لم ينافس (استبق) أهلها في مجالسهم ولا يجزع (شك أوخوف) أن يراه أحد على خلاف عادته في الملبوس ولا يكون متدابراً (تخاصم) معهم وكذلك عابر السبيل لا يتخذ داراً، ولا يلج (يدخل) في الخصومات مع الناس يشاحنهم (يجادلهم)، ناظراً إلى أن لبثه (مقيم) معهم أيام يسيرة: فكل أحوال الغريب وعابر السبيل مستحبة أن تكون للمؤمن في الدنيا لأن الدنيا ليست وطناً (أصل القرية) له. لأنها تحبسه عن داره وهي الحائلة بينه وبين قراره.
وأما قول ابن عمر: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء" فهو حض منه على أن المؤمن يستعد أبداً للموت. والموت يستعد له بالعمل الصالح. وحض على تقصير الأمل: أي لا تنتظر بأعمال الليل الصباح. بل بادر (مباشرة) بالعمل، وكذلك إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وتؤخر أعمال الصباح إلى الليل.
قوله: "وخذ من صحتك لمرضك" حض على اغتنام صحته فيجتهد فيها خوفا من حلول (مجيئ) مرض يمنعه من العمل. وكذلك قوله "ومن حياتك لموتك" تنبيه على اغتنام أيام حياته لأن من مات انقطع عمله وفات أمله وعظمت حسرته (فشل أوحزن) على تفريطه (غفلة) وندمه، وليعلم أنه سيأتي عليه زمان طويل وهو تحت التراب لا يستطيع عملا ولا يمكنه أن يذكر الله عز وجل، فيبادر في زمن سلامته، فما أجمعَ هذا الحديثِ لمعاني الخير وأشرفه.
وقال بعضهم: قد ذم الله تعالى الأمل وطوله وقال: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} 1. وقال علي رضي الله عنه: "ارتحلت (انتقل) الدنيا مدبرة (الدنيا في الوراء) وارتحلت الآخرة مقبلة ولكل واحدة منهما بنون (أبناء)
__________
1 سورة الحجر: الآية 3.
===
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص: 134)
فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عملٌ ولا حسابَ وغدا حسابٌ ولا عملَ"1.
وقال أنس رضي الله عنه: خط (شرع/ يفكّر) النبي صلى الله عليه وسلم خطوطاً فقال: "هذا الإنسان وهذا الأمل وهذا الأجل فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب" 2 وهو أجله المحيط به، وهذا تنبيه على تقصير الأمل واستقصار (يجده قصير) الأجل خوف بغيته (غاية)، ومن غيب عنه أجله، فهو جدير (ينبغي) بتوقعه (رجاء ومراقبة) وانتظاره خشيةَ هجومه عليه في حالِ غرةٍ (كيد) وغفلة، فليرض المؤمن نفسه على استعمال ما نبه عليه ويجاهد (مِنْ) أمله وهواه، فإن الإنسان مجبول (مشكول/ مصوَّرة) على الأمل. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أطين (أصنع) حائطاً لي أنا وأمي، فقال: "ما هذا يا عبد الله؟ ", فقلت: يا رسول الله قد وهى (ضعف) فنحن نصلحه. فقال: "ما أرى الأمرَ إلا أُسْرِعُ من ذلك" 3. نسأل الله العظيم أن يَلْطَفَ بنا وأن يُزْهِدَنا في الدنيا وأن يجعل رغبتَنا فيما لديه وراحتَنا يومَ القيامةِ إنه جوَّادٌ (حسن) كريم غفور رحيم.
__________
1 رواه البخاري في الرقاق باب في الأمل وطوله تعليقاً.
2 رواه البخاري في الرقاق باب في الأمل وطوله رقم 6418.
3 رواه الترمذي في الزهد باب ما جاء في قصر الأمل رقم 2335. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.